نظرية التطور في نظر الاسلام خاطئة وضالة ويجب الحذر منها






وواقع الأمر أن الدراونة الملاحدة يتخبطون بين هذين التصورين لحقيقة "العشواء" لديهم تخبطا عظيما، لأنهم يصرون على تغافل ذلك التناقض العميق في أصل النظرية. فهم لا يرون – على سبيل المثال - إشكالا في شرح فكرة النظرية بالقياس على النظم الحاسوبية الموضوعة لإفراز نتائج عشوائية Random Generators بحيث يقوم نظام مبرمج مسبقا بانتقاء النتائج الصحيحة كلما ظهرت ليضعها في مكانها (وهو المثال الذي ضربه دوكينز في غير مناسبة). فكلما ألزمناهم باللازم الواضح الجلي لهذه الصورة ولتلك "الميكانيزمية" العامة التي يتصورونها الموضوعة من الخارج وضعا مسبقا، ألا وهو وجود خالق غيبي قد وضع ذلك النظام كما وضعوا هم ذاك البرنامج الحاسوبي الذي قاسوا عليه، وأن هذا يقتضي أن تكون عقيدتهم في الحقيقة ليست نفي الخالق بالكلية كما يذهبون، وإنما إثباته مع نسبة النقائص إليه بادعاء أنه قد وضع نظاما حاكما لعملية ذات مفردات عشوائية طويلة الأجل لبناء الحياة على الأرض، فلا يدري إلى أين ستمضي بالمخلوقات ولا ما مصيرها، نفوا عن أنفسهم هذا اللازم نفيا شديدا، ولم يأتوا في ذلك النفي إلا بالمزيد من الأمثلة التي تزيدهم به تلبسا وهم لا يعقلون!
فهذا دوكينز نفسه يؤلف كتابا في الدفاع عن فلسفة الداروينية فلا يسميه إلا "صانع الساعات الأعمى"، فإذا ما سئل عن ذلك قال إنه مجاز لا غير، كما أن كلمة "مخلوق" ليست إلا مجازا عندنا، وكلمة "خلق" لا نستعملها إلا مجازا .. الخ، مع أنه لما أراد أن يضرب مثالا لتلك "العشوائية المنظمة" للانتخاب الطبيعي التي شرحها في كتابه ذاك، لم يجد إلا أن يضع برنامجا حاسوبيا صغيرا من الصنف المذكور آنفا، سماه Biomorph، ثم أخذ يتكلم وكأن اضطراره هو نفسه لاختراع البرنامج حتى يضرب به مثلا لتلك "الآلية" الداروينية المزعومة، ليس في نفسه دليلا على الضرورة العقلية لوجود صانع قد صنعها هي نفسها من خارجها، فسبحان الله ما أشد جحودهم ومكابرتهم!


فمحل التناقض في أصل نظرية داروين يكمن في حرص داروين وأتباعه على حشر العشوائية chaos في أصل ما يقولون إنه نظام محكم non-random حتى يجعلوه بديلا "طبيعيا" للخلق والخالق! فكيف يعقل أن يقوم نظام محكم على ترتيب تراكمي لأحداث يوصف كل واحد منها بأنه فوضوي عشوائي محض؟ الحدث الفوضوي العشوائي لا ينتظم مع غيره من الأحداث العشوائية في نظام مخصوص أو على قاعدة واحدة، إلا إن وجد تخطيط مسبق لذلك النظام وتقعيد خارجي لتلك القاعدة التي تفرز تلك الأحداث الفوضوية وتستهدف بناء مخصوصا من تراكمها (بناء سابق التصميم كحيز معلوماتي مخزون في أصل النظام). فإن سلمنا بوجود ذلك التخطيط المسبق (الذي تتعرف به العلاقة بين القفل والمفتاح، أو بين المخلوق والطبيعة التي تشترط عليه شروطا معينة حتى يتكيف معها ومن ثم ينتخب للبقاء فيها) لزمنا القول بوجود "مخطط خارجي" ضرورة، تأتي منه تلك الخطة وذلك النظام، بما فيه من استعمال للعامل العشوائي المزعوم هذا! ولكن يلزمنا كذلك - ومن ثم – نسبة ذلك المخطط الخارجي إلى النقص والعجز ضرورة، إذ لو كان قادرا على إحكام الخلق كما يريد، فلا وجه إذن لوقوع الأمر منه على هذه الصورة البائسة: نظام معلول متخبط يكون الأصل فيه هلاك كل مخلوق لنقصه وتخلفه عن التكيف مع الطبيعة التي خلق فيها، إلا ما يُتفق أن يظهر فيه "بالحدث العشوائي المحض" تلك الطفرة المفيدة التي تحيله إلى نوع قادر على البقاء والاستمرار!


ومع مزيد من التأمل، يتبين لنا أن هذا ليس "نظاما" أصلا، ولا يعقل أن يصبح نظاما، فضلا عن أن يستمر لعشرات الملايين من السنين كما يزعمون، إذ الأصل فيه العطالة والعجز والفوضى المحضة، وبقاء الأمر مرتهنا في تلك الفوضى الشاملة بمجيء حدث "عشوائي" (الطفرة أو نحوها) في كائن من الكائنات من غير أي توجيه خارجي، ليجعله قادرا على البقاء! فبأي عقل ينشأ ما يصح أن يقال له "نوع" أصلا، في ظل تلك الفوضى الشاملة؟ كيف ينشأ من مجموع المخلوقات العاجزة الناقصة ما يصح أن يوصف بأنه نوع، ثم يبقى عاجزا في انتظار تلك الطفرة المحظوظة التي لن تأتي إلا بالعشواء في كل مرة، حتى تضيف إليه ما كان ناقصا؟ وأي نظام يكون في ذلك العبث أصلا وكيف يعقل أن يصير من تلك الفوضى "نظام" أو "آلية" كما يصر الدراونة على وصفه؟ هذا محال! لهذا نقول ونكرر مرارا في جواب موجز يأبى الداروينون أن يعقلوه: إن "النظام" لا يمكن في العقل المجرد أن ينشأ على أساس من الفوضى غير المحكومة بشروط خارجية وضوابط قانونية تكون سببا مباشرا في إنشائه (وليس نشأته)! ولا يمكن للشيء (أو النظام) أن "ينشأ" من تلقاء نفسه من غير سبب فاعل خارج عن ذاته! هذه ليست مسألة "احتمالية إحصائية"، هذه قضية من قضايا البداهة العقلية والضرورة المنطقية التي يأبى الدراونة أن يروها على حقيقتها! نحن نتكلم عن تناقض منطقي متجذر في أصل النظرية نفسها، لو تجرد القوم في تأمله لبان لهم أنه ليس ثمة "آلية" أصلا حتى تبدأ في العمل، فضلا عن أن تستمر في الأرض لملايين السنين!
هذا التناقض المحض لا يمكن تداركه بتصوير الأمر بتلك الصورة التي صورها دوكينز في كتبه ومحاضراته، إذ يفترض أن النظام قد "نشأ" بحيث يكون فيه تعريف لما يصلح وما لا يصلح، مع آلية لتوليد القيمة العشوائية (توليدا صناعيا) حتى تبقى القيمة الصالحة وتفنى غير الصالحة، إلى أن يتم الأمر في النهاية على حسب التصميم الأول! فهو في ذلك يتكلم عن "نظام" سابق التصميم (كما صمم هو برنامجه الحاسوبي) فيه تعاريفه وآلياته التي تولد تلك الطفرات العشوائية الجديدة (بما فيها من معلومات قد تصلح وقد لا تصلح)، فإن ألزمناه بلازم ذلك الكلام قال أنتم لا تفهمون "الانتخاب الطبيعي"! والواقع أنه هو الذي لا يفهم الانتخاب الطبيعي، لأنه باجتماعه مع الطفرة العشوائية، يناقض ذلك المثال الذي يضربه له هو وأتباعه مناقضة واضحة، ويستحيل معه أن يوجد "نظام" أصلا من الأساس، بل يستحيل أن تبقى فيه مجموعة من المخلوقات لتتناسل وتتكاثر بما يكفي أن يتكون منها Speciation ما يقال له "نوع"! فالفطرة المزعومة التي تعين على البقاء هذه عند داروين لا تأتي تبعا لآلية تولدها توليدا عشوائيا، كما في المثال الذي يضربونه للمولدات العشوائية الحاسوبية، وإنما تأتي من غير آلية أصلا ومن غير نظام أو سبب نظامي، وهو سر تسميتها "بالطفرة" عندهم، وتسمية الانتخاب "بالطبيعي" (يعني انتخاب لا منتخِب له، أو فعل لا فاعل له)! فلو زعموا أن لها آلية سابقة التصميم هي التي تتسبب في ظهور الطفرات بمعلومات جينية مخالفة لما هو موجود مسبقا، سواء كان في تلك المعلومات فيها إضافة أو كان فيها نقص أو تغيير، فقد نقضوا أصل النظرية نفسه بذلك، وزعموا ما لا قبل لهم بإثباته، ولو أثبتوه للزمهم إثبات ما يفرون منه! ولهذا نقول إن فكرة الانتخاب الطبيعي تقتضي إثبات "الطبيعة" فاعلا مريدا له نظامه الذي به ينتقي وينتخب، وهذا يكشفه مجرد اسمها نفسه! ولكنه في نفس الوقت تصور يتناقض مع العشوائية المحضة التي يعتقدونها في الطفرات نفسها، وهو ما يستحيل معه المصير إلى ما يمكن تسميته "بالآلية"، ولهذا كان الدراونة ولا يزالون يتخبطون (فلسفيا وعقديا) بين الوجهين الذين قدمنا بذكرهما آنفا لمفهوم "العشواء المنظمة"!


بهذا التحرير يتبين لك أن الأمر يرجع في تلك النظرية إلى إحدى خلصتين: إما إثبات الخلق (التنظيم والتخطيط) المحكم (وهو ما يعني وجود نظام محكم لا متسع فيه للفوضى والعشواء أصلا، بموجب إثبات الخالق وإثبات كماله الواجب عقلا) وهو ما يترتب عليه بطلان مفهوم "التطفر العشوائي" ومفهوم "البقاء للأصلح" ومفهوم الارتقاء و"التطور" ومن ثم إسقاط نظرية داروين، وإما نفي الخلق بالكلية ومن ثم نفي النظام (أو اللا-عشوائية) بالكلية ونفي مطلق معنى "الانتخاب" نفسه، وهو ما يترتب عليه إسقاط نظرية داروين كذلك، إذ إنها تقول بإثبات نظام عام فيه تعريف للصالح وغير الصالح، تتولد فيه المعلومات العشوائية أولا ثم ينتخب منها ذلك النظام ما يصلح للبقاء ثانيا! فتحصل من ذلك أنها نظرية ساقطة مردودة من أصولها العقلية الكلية على كل وجه، ولله الحمد والمنة.
والعقل السوي يقتضي أنه إذا سقط أصل النظرية، سقطت معها جميع فروعها وأركانها وانهار بنيانها بأكمله. ومع هذا ترى من المسلمين من ينظر في تلك السفاهات العقلية التي تقوم عليها النظرية، ليقول هذه نرفضها وهذه نقبلها، لا لشيء إلا لينتهي في النهاية إلى التلفيق بين ما يتخذه الطبيعيون دليلا على صحتها، وبين القول بالخلق الرباني المحكم الذي يمليه عليه فطرته ودينه، مخافة أن يقال إنه يخرق "إجماع" الأكاديميات العلمية الكبرى في العالم ولا يقيم "للعلم" وزنا، فتراه يركب نسف المطية التي ركبها النصارى الغربيون المعاصرون من قبله، يدخل جحر الضب خلفهم، وإلى الله المشتكى!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

شارك في قناة تعليم الانجليزية