القاعدة الحادية عشر في توحيد صفات وأسماء الله سبحانه وتعالى / السنة والجماعة







 أسماء الله تعالى أعلام وأوصاف الشرح: في هذه القاعدة رد على المعتزلة الذين يثبتون أسماء الله تعالى بلا أوصاف؛ فيقولون: عليم بلا علم، سميع بلا سمع، بصير بلا بصر، ونحو ذلك. قال ابن تيمية رحمه الله في معرض ذكره لمنهج الجهمية: "وقاربهم طائفة ثالثة من أهل الكلام، من المعتزلة ومن اتبعهم، فأثبتوا لله الأسماء دون ما تتضمنه من الصفات، فمنهم من جعل العليم والقدير والسميع والبصير كالأعلام المحضة المترادفات، ومنهم من قال: عليم بلا علم، قدير بلا قدرة، سميع بصير بلا سمع ولا بصر، فأثبتوا الاسم دون ما تضمنه من الصفات". وهذا خطأ وباطل. فالخالق سبحانه وتعالى أسماؤه أعلام وأوصاف؛ أعلام باعتبار دلالتها على الذات، وأوصاف باعتبار ما دلت عليه من معانٍ.

 فهو عليم ومتصف بصفة العلم، سميع ومتصف بصفة السمع، حكيم ومتصف بصفة الحكمة، رحيم ومتصف بصفة الرحمة، وهكذا في جميع أسمائه سبحانه وتعالى الحسنى، فكل اسم يحمل معنًى من معاني الكمال والجمال. قال ابن القيم رحمه الله: "وهذا شأن أسماء الرب تعالى وأسماء كتابه وأسماء نبيه صلى الله عليه وسلم، هي أعلام دالة على معان هي بها أوصاف فلا تضاد فيها العلمية الوصف بخلاف غيرها من أسماء المخلوقين فهو الله الخالق البارئ المصور القهار، فهذه أسماء دالة على معان هي صفاته، وكذلك القرآن والفرقان والكتاب المبين وغير ذلك من أسمائه.

 وكذلك أسماء الرب تعالى كلها أسماء مدح ولو كانت ألفاظا مجردة لا معاني لها لم تدل على المدح وقد وصفها الله سبحانه بأنها حسنى كلها، فقال:{ولله الأسماء الحسنى}(الأعراف: ١٨٠،) فهي لم تكن حسنى لمجرد اللفظ بل لدلالتها على أوصاف الكمال؛ ولهذا لما سمع بعض العرب قارئا يقرأ:{والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم}(المائدة: ٣٨) والله غفور رحيم؛ قال: ليس هذا كلام الله تعالى. فقال القارئ: أتكذب بكلام الله تعالى؟ فقال: لا، ولكن ليس هذا بكلام الله. فعاد إلى حفظه وقرأ:{والله عزيز حكيم}(المائدة: ٣٨؛) فقال الأعرابي: صدقت؛ عز فحكم فقطع، ولو غفر ورحم لما قطع. وأيضا فإنه سبحانه يعلل أحكامه وأفعاله بأسمائه، ولو لم يكن لها معنى لما كان التعليل صحيحا؛ كقوله تعالى:{فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا}(نوح: ١٠،) وقوله تعالى:{فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم}(البقرة: ٢٢٦ - ٢٢٧؛) فختم حكم الفيء الذي هو الرجوع والعود إلى رضى الزوجة والإحسان إليها بأنه غفور رحيم، يعود على عبده بمغفرته ورحمته إذا رجع إليه، والجزاء من جنس العمل؛ فكما رجع إلى التي هي أحسن رجع الله إليه بالمغفرة والرحمة.

 وقال تعالى:{وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم}(البقرة: ٢٢٧؛) فإن الطلاق لما كان لفظا يسمع ومعنى يقصد عقبه باسم السميع للنطق به العليم بمضمونه. وأيضا فإنه سبحانه يستدل بأسمائه على توحيده ونفي الشرك عنه، ولو كانت أسماء لا معنى لها لم تدل على ذلك؛ كقول هارون لعبدة العجل:{وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري}(طه: ٩٠)، وقوله سبحانه في القصة:{إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو وسع كل شيء علما}(طه: ٩٨،) وقوله تعالى:{وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم}(البقرة: ١٦٣،) وقوله سبحانه في آخر سورة الحشر:{هو الله الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم}(الحشر: ٢٢ - ٢٣؛) فسبح نفسه عن شرك المشركين به عقب تمدحه بأسمائه الحسنى المقتضية لتوحيده واستحالة إثبات شريك له.

 ومن تدبر هذا المعنى في القرآن هبط به على رياض من العلم حماها الله عن كل أفاك معرض عن كتاب الله واقتباس الهدى منه، ولو لم يكن في كتابنا هذا إلا هذا الفصل وحده لكفى من له ذوق ومعرفة والله الموفق للصواب.

 وأيضا فإن الله تعالى يعلق بأسمائه المعمولات من الظروف والجار والمجرور وغيرهما، ولو كانت أعلاما محضة لم يصح فيها ذلك؛ كقوله:{قل أتعلمون الله بدينكم والله يعلم ما في السموات وما في الأرض والله بكل شيء عليم}(الحجرات: ١٦)،{ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين}(الجمعة: ٧)، {فإن تولوا فإن الله عليم بالمفسدين}(آل عمران: ٦٣)، {هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور وكان بالمؤمنين رحيما}(الأحزاب: ٤٣)، {لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رءوف رحيم}(التوبة: ١١٧)، {ولله ملك السموات والأرض والله على كل شيء قدير}(آل عمران: ١٨٩)، {يجعلون أصابعهم في ءاذانهم من الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين}(البقرة: ١٩)، {وماذا عليم لو ءامنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله وكان الله بهم عليما}(النساء: ٣٩)،{وإن كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم إنه بما يعملون خبير}(هود: ١١١)،{إن الله يعلم غيب السموات والأرض والله بصير بما تعملون} (الحجرات: ١٨)، {ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر على من يشاء إنه بعباده خبير بصير}(الشورى: ٢٧)، ونظائره كثيرة. وأيضا فإنه سبحانه يجعل أسماءه دليلا على ما ينكره الجاحدون من صفات كماله؛ كقوله تعالى:{ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير}(الملك: ١٤)".انتهى كلام ابن القيم رحمه الله. والذي حمل المعتزلة على هذا القول الباطل ظنهم بعقولهم الفاسدة أن تعدد الصفات يستلزم تعدد الموصوف.

 قال ابن تيمية رحمه الله: "هذا قول المعتزلة والشيعة الموافقين لهم، وهو قول باطل؛ لأن صفة الإله لا يجب أن تكون إلها كما أن صفة النبي لا يجب أن تكون نبيا، وإذا كانت صفة النبي المحدث موافقة له في الحدوث لم يلزم أن تكون نبيا مثله، فكذلك صفة الرب اللازمة له إذا كانت قديمة بقدمه لم يلزم أن تكون إلها مثله.

 فهؤلاء مذهبهم نفى صفات الكمال اللازمة لذاته، وشبهتهم التي أشار إليها: أنها لو كانت قديمة لكان القديم أكثر من واحد كما يقول ابن سينا وأمثاله. وأخذ ذلك ابن سينا وأمثاله من المتفلسفة عن المعتزلة فقالوا: لو كان له صفة واجبة لكان الواجب أكثر من واحد، وهذا تلبيس؛ فإنهم إن أرادوا أن يكون الإله القديم أو الإله الواجب أكثر من واحد، فالتلازم باطل فليس يجب أن تكون صفة الإله إلها ولا صفة الإنسان إنسانا ولا صفة النبي نبيا ولا صفة الحيوان حيوانا.

 وإن أرادوا أن الصفة توصف بالقدم كما يوصف الموصوف بالقدم فهو كقول القائل: توصف صفة المحدث بالحدوث كما يوصف الموصوف بالحدوث. وكذلك إذا قيل: توصف بالوجوب كما يوصف الموصوف بالوجوب فليس المراد أنها توصف بوجوب أو قدم أو حدوث على سبيل الاستقلال؛ فإن الصفة لا تقوم بنفسها ولا تستقل بذاتها، ولكن المراد أنها قديمة واجبة بقدوم الموصوف ووجوبه، إذا عني بالواجب ما لا فاعل له وعنى بالقديم ما لا أول له وهذا حق لا محذور فيه".انتهى كلام ابن تيمية رحمه الله.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

شارك في قناة تعليم الانجليزية